خواطرُ رمضانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغر الميامين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

هنالك صلة وثيقة ورابط متين بين الصيام والقرآن، ولِعِظَم كلام الله عز وجل ومنزلته الكبيرة ناسب أن ينزله الله في أفضل الشهور، ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ )[1]، بل نزل جملة واحدة في أشرف الليالي ليلة القدر ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ )[2]، فأنزل أفضل الكلام بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام، بلغة العرب الكرام لينذر به قوما عمتهم الجهالة، وغلبت عليهم الشقاوة، فيستضيئوا بنوره ويقتبسوا من هداه ويسيروا وراءه، فيحصل لهم الخير الدنيوي والخير الأخروي.[3]

ولتوكيد هذه الصلة يقول عليه الصلاة والسلام( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان )[4].

ولما كان للنفس إقبال وإدبار، يظهر إقبالها جليا في موسم الخيرات والبركات وتكفير السيئات، إذ يطمئن القلب وينشرح الصدر، فيكون التفاعل مع كتاب الله عز وجل أدعى وأرجى وأكثر، وكم نحن بحاجة لاغتنام الأوقات الموسمية واستثمار أحوال العباد من الإقدام والاهتمام بكلام العزيز العلام، من التلاوة والتأمل والتفكر والانتفاع بآي الذكر الحكيم، الذي لا يتحقق إلا بتدبر وإعمال النظر مليا، واستخراج الدرر والكنوز والجواهر.

في هذه السلسلة الرمضانية، سنقف كل يوم مع آية من سورة الملك، متدبرين ما فيها من معاني وعبر وعظات، عسى أن نخلُص بثلاثين آية علما وتفكرا وانتفاعا وعملا، وما أحوجنا في زمن الفتن وهجران القرآن لتلك الوقفات.

يقول ربنا سبحانه( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ )[5]، أي هذا كتاب لمن أراد التمسك بالإيمان والقربة إلينا، إن طريق السعادة الأبدية: هو اتباع القرآن الذي أنزله الله هدى ورحمة للمؤمنين، وهو كثير الخير والبركة، فيه الشفاء النافع لمن تمسّك به، والنجاة لمن اتبعه، وقد أنزله الله تعالى للناس للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر وإمعان، وليتعظ أهل العقول الراجحة به وببيانه.[6]

قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل.[7]

ينبغي أن نتعاطى مع القرآن كأنه يخاطبنا الآن، لا أن نكون بمنأى عن آياته، ففقه الصحابة والسلف الصالح هذه الحقيقة، فتعاملوا معه كأنه رسائل موجهة إليهم بمختلف جوانب حياتهم، يقول الحسن بن علي رضي الله عنهما: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار.[8]

سورة الملك من السور المكية، ثلاثون آية، نزلت بعد سورة الطور وكلها محكمة فلا ناسخ ولا منسوخ، لها عدة أسماء ما صح وثبت منها ثلاثة هي ( الملك، وتبارك الذي بيده الملك، والمانعة ).

قال المهايمي: سميت به لاشتمالها على كثير مما ينبغي أن يكون عليه الملك من كثرة الخيرات، وعموم القدرة، والإحياء والإماتة، واختبار أعمال الناس، والغلبة والغفران، ورفع الأبنية لخدامه وعدم التفاوت في رعاياه، وتزيين بلاده، والقهر على الأعداء، والترحم على الأولياء، والأمن ورخص الأسعار، وأن لا يقدر أحد على نصر من عاداه، ولا على رزق من منعه[9].

ولها فضائل عديدة ومزايا فريدة منها:

1-    مانعة من عذاب القبر: يقول عليه الصلاة والسلام(سورةُ تبارك هي المانعةُ من عذابِ القبر )[10].
2-    يغفر لصاحبها ذنوبه: قال عليه الصلاة والسلام( إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: " تبارك الذي بيده الملك" ).[11]
3-    سبب دخول الجنة: قال عليه الصلاة والسلام( سورةٌ من القرآنِ ما هي إلا ثلاثون آيةً خاصمتْ عن صاحبِها حتى أدخلَتْه الجنةَ ، وهي تبارك ).[12]

مناسبة بداية السورة لما قبلها أنه لما ضرب مثلا للكفار بتينك المرأتين اللتين قدر لهما الشقاء وإن كانتا تحت عبدين صالحين، ومثلا للمؤمنين بآسية ومريم وقد كتب لهما السعادة وإن كان أكثر قومهما كفارا- افتتح هذه السورة بما يدل على إحاطة علمه عز وجل وقهره وتصرفه في ملكه على ما سبق به قضاؤه.[13]

يدور موضوع سورة الملك حول معنى واحد هو أن نعرف قدر الله عز وجل، للتوصل إلى مقصد هام جدا هو تحقيق خشية الله بالغيب، فإذا تأملنا وتدبرنا جميع الآيات وأمعنا النظر فيها، سنعلم حينها من نعبد، بالتالي سينعكس ذلك على معتقدنا وسلوكنا وانضباطنا في طاعة ربنا، دون انفلات أو تسيب أو عشوائية، لأن أساس الكفر والجحود وعدم الاستجابة لدعوة الرسل الابتعاد عن هذا المعنى، قال تعالى( مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )[14]، أي ما عظّموه حق التعظيم.[15]

والأغراض التي في هذه السورة جارية على سنن الأغراض في السور المكية ابتدأت بتعريف المؤمنين معاني من العلم بعظمة الله تعالى وتفرده بالملك الحق؛ والنظر في إتقان صنعه الدال على تفرده بالإلهية فبذلك يكون في تلك الآيات حظ لعظة المشركين.[16]

افتتحت السورة بما يدل على منتهى كمال الله تعالى افتتاحا يؤذن بأن ما حوته يحوم حول تنزيه الله تعالى عن النقص الذي افتراه المشركون لما نسبوا إليه شركاء في الربوبية والتصرف معه والتعطيل لبعض مراده. ففي هذا الافتتاح براعة الاستهلال كما تقدم في طالع سورة الفرقان.[17]

ابتدأت السورة بالحديث عن ملك الله الشامل وقدرته المطلقة على التصرف الكلي في كل الأمور؛ فهو يحيي ويميت، ويُعز ويُذل، ويعطي ويمنع، ويفقر ويغني، ويمرض ويشفي، ويبعد ويقرب، ويرفع ويخفض، ويكشف ويحجب، إلى غير ذلك من شؤون العظمة والتدبير المطلق.

( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) أي: تعاظم وتعالى، وكثر خيره، وعم إحسانه، من عظمته أن بيده ملك العالم العلوي والسفلي، فهو الذي خلقه، ويتصرف فيه بما شاء، من الأحكام القدرية، والأحكام الدينية، التابعة لحكمته، ومن عظمته، كمال قدرته التي يقدر بها على كل شيء، وبها أوجد ما أوجد من المخلوقات العظيمة، كالسماوات والأرض.[18]

فملك الله سبحانه ملك مطلق، دون ما سواه من أملاك المخلوقين فهو عارية زائل لا محالة، فهو ملك ناقص ينتهي بموت وزوال صاحبه، فالله سبحانه هو مالك الملك وملك الملوك( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[19]، فإذا استشعرنا هذه الحقيقة لم يدخل في قلوبنا أي تعظيم لمن ملك الدنيا بأسرها، لأنه ما أخذ معه غير الحنوط والكفن فلنتأمل.

قال القاشاني: الملك، عالم الأجسام، كما أن الملكوت عالم النفوس.[20]

لطيفة في قوله" بيده الملك":
تقديم المسند" بيده" على المسند إليه" الملك" يفيد الاختصاص، أي أن الملك بيده لا بيد غيره، فكل ملك دونه ملك غير تام ناقص زائل( فتعالى الله الملك الحق )[21].

"الـ " في " الملك" للاستغراق، إذ تستغرق جميع أفراد وأنواع الملك، وكلها في قدرة الله المعطي المانع.

و الله جل في علاه له الحكم والأمر الشرعي النافذ، فهو المستحق لأن يطاع هو الملك على الحقيقة؛ خلق ودبر ورزق وعدل ورحم، فمن أولى منه بالطاعة والأنقياد وتمام الحب والخضوع؟ فمن نازعه أمر فقد نازعه ربوبيته.

( والله على كل شيء قدير ) مبالِغٌ في القُدرة عليهِ يتصرفُ فيهِ حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكمِ البالغةِ،[22] معطوفة على جملة ( بيده الملك ) التي هي صلة الموصول وهي تعميم بعد تخصيص لتكميل المقصود من الصلة إذ أفادت الصلة عموم تصرفه في الموجودات وأفادت هذه عموم تصرفه في الموجودات والمعدومات بالإعدام للموجودات والإيجاد للمعدومات فيكون قوله ( وهو على كل شيء قدير ) مفيدا معنى آخر غير ما أفاده قوله ( بيده الملك ) تفادي من أن يكون معناه تأكيدا لمعنى ( بيده الملك ) وتكون هذه الجملة تتميما للصلة [23].

قال بن عاشور: و ( شيء ): ما يصح أن يعلم ويخبر عنه وهذا هو الإطلاق الأصلي في اللغة. وقد يطلق ( الشيء ) على خصوص الموجود بحسب دلالة القرائن والمقامات. 

وتقديم المجرور في قوله: على كل شيء قدير للاهتمام بما فيه من التعميم، ولإبطال دعوى المشركين نسبتهم الإلهية لأصنامهم مع اعترافهم بأنها لا تقدر على خلق السماوات والأرض ولا على الإحياء والإماتة.[24]

فكل جبار لا يستطيع أن يحرك ذرة إلا بإذن الله سبحانه، وإنما مكنهم الله فتنة لهم وابتلاء، وحكمة وعدلا، وفي الحياة الحقيقية في الآخرة لا سبيل لذلك .

الآية التي معنا من سورة تبارك جمعت ثلاث حقائق كونية هامة:

الأولى: أن الله تقدس في ذاته وأفعاله وصفاته، عن كل نقص وعيب، فله القدرة الغالبة والتصرف العام والحكم النافذ.
الثانية: الملك كله في يديه سبحانه يدبره بتمام الحمد، والخلق مبتلون بالملك النسبي والسلطان المؤقت الذي هو عارية مستردة.
الثالثة: أنه سبحانه على كل شيء قدير، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ولا يتعاظمه أمر.
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.



سجل إميلك وتوصل بمواضيعنا :